محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

194

بدائع السلك في طبائع الملك

فليكن للدين والمروءة عنده نفاق فسيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض » « 116 » . الترهيب الثاني : توقع زوال الملك به طبعا وشرعا فمن كلام أفلاطون : « إذا تخلى الملك عن الدين ، حاربته الشريعة بأشخاصها ، ولم تمهله الا بمقدار ما يعد ملكا طبيعيا . » موعظة : يروى أن آخر الملوك الأموية بالمشرق لما هرب إلى النوبة سمع به ملكها ، فجاءه ، وقعد على الأرض فقال له ألا تقعد على فراشنا ؟ فقال له النوبي : لا . قال ولم ؟ قال : لأني ملك ، وحق على كل ملك أن يتواضع لامر الله سبحانه إذ رفعه . ثم قال له : ولم تشربون الخمر ، وهي محرمة عليكم ، ولم تطأون الزرع بدوابكم ، والفساد محرم عليكم ، ولم تستعملون الذهب والفضة وتلبسون الديباج « 117 » ، وهو محرم عليكم ، فقال له : انتصرنا بقوم من الأعاجم حين قل أنصارنا ، ولنا عبيد وأتباع ، فعلوا ذلك على كره منا . فأطرق النوبي مليا ، ثم قال : ليس كما ذكرت ، ولكن أنتم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم ، وظلمتم فيما ملكتم ، فسلبكم الله العز بذنوبكم ، ولله فيكم نقمة ، لم تبلغ غايتها . وأخاف أن يصيبكم العذاب ، وأنتم ببلدي ، فيصيبني معكم ، وانما الضيافة ثلاثة أيام ، فتزودوا ما احتجتم ، وانصرفوا عن بلدي « 118 » . الأصل الثالث : في كليات ما تحفظ به الشريعة ، تشييدا لركن الملك به ، وهي الضروريات الخمس المتفق على رعايتها في جميع الشرائع : الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال ، لان مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها ، بحيث لو انخرمت ، لم يبق للدنيا وجود ، من حيث الانسان المكلف ، ولا

--> ( 116 ) ورد هذا النص لابن المقفع في الأدب الكبير ص 118 . يقول في ذلك ( ليعلم الملك أن الناس على رأيه ، الا من لا بال له منهم ، فليكن للبر والمروءة عنده نفاق ، فيكسد بذلك الجور والدناءة في آفاق الأرض ) . ( 117 ) ه : الحرير والديباج . وكذلك في س . ( 118 ) سراج : ص 55 . واستند ابن الأزرق أيضا على مروج الذهب ، ج 4 ص 132 . وصاحب القصة عبد الله بن مروان .